ابن قتيبة الدينوري

54

الإمامة والسياسة ( بيروت )

الحجاج قد انكسرت ناحيته ، وزال عنها ، بعث إليه ابن عمه الحكم بن أيوب في خيل . فقال : انطلق إلى عدوّ اللَّه فاضرب وجهه بالسيف حتى تردّه إلى مقامه ، ففعل ، وبعث إلى سفيان بن الأبرد يأمره بقتال القوم ومحاربتهم ، فحمل عليهم سفيان وهم مشغولون بالميسرة قد طمعوا فيها ، وكان بإذن اللَّه الفتح والغلبة من ناحية سفيان ، وقد بعث إليه الجرشيّ يستأذنه للقتال ، فمنعه الحجاج وقال له : لا ، إلا أن ترى أمرا مقبلا ، وتمكنا من فرصة ، فاجتمع الأمر ، وثاب العكي ، وانهزم ابن الأشعث ، واستحقت هزيمته [ ( 1 ) ] ، فدعا الحجاج بدابته فركبها ، وركب من كان مترجلا معه ، بعد سجود ودعاء ، وشكر كان منه ، على ما صنع اللَّه به ومن كان معه ، وحمدوا اللَّه تعالى كثيرا ، وكبروا تكبيرا عاليا ، ثم انتهى إلى ربوة فأومأ إليها ، ثم استقبل ناحيتهم والسيوف تأخذهم ، وحسر بيضته [ ( 2 ) ] عن رأسه ، فجعل يقرع رأسه بخيزران في يده ، وهو يتمثل بهذه الأبيات ، وهي من قول عبيد بن الأبرص ، أو من قول اليشكري : كيف يرجون سقاطي بعد ما * جلل الرأس بياض وصلع ساء ما ظنوا وقد أوريتهم * عند غايات الوغى كيف أقع ربّ من أنضجت غيظا قلبه * قد تمنى لي موتا لم يطع ويراني كالشجى في حلقه * عسرا مخرجه ما ينتزع مربد يهدر ما لم يرني * فإذا أسمعته صوتي انقمع ويحييني إذا لاقيته * وإذا يخلو له الحمى رتع ورث البغضاء عن والده * حافظا منه الّذي كان استمع ولساني صيرفيّ صارم * كذباب السيف ما مسّ قطع قال : فلما فرغ الحجاج من هذه الأبيات كبر ، ثم حمد اللَّه بما هو أهله ، للذي كان من صنعه به وبجماعته ، فبينا هو كذلك ، إذ أتاه من يخبره أن ابن الأشعث قد انخزل من أصحابه في نفر يسير ، متوجها إلى ناحية خراسان [ ( 3 ) ] ،

--> [ ( 1 ) ] قال خليفة في تاريخه ص 282 : كانت بينهم بالجماجم إحدى وثمانين وقيعة كلها على الحجاج إلا آخر وقعة كانت على ابن الأشعث فانهزم . [ ( 2 ) ] البيضة : الخوذة من الحديد يغطي بها الفارس رأسه . [ ( 3 ) ] في الطبري 6 / 366 ومضى عبد الرحمن والفل من المنهزمين معه نحو سجستان . . . وفي ابن الأثير 4 / 481 فنزل هو ومن معه لا يلوون على شيء .